الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مسألة أخرى تتجلى أمامنا ، وهي أن الفراعنة اتخذوا خطة لاستضعاف بني إسرائيل بذبح الأبناء ، لئلا يستطيع بنوا إسرائيل أن يواجهوا الفراعنة ويحاربوهم ، وكانوا يتركون النساء اللاتي لا طاقة لهن على القتال والحرب ، ليكبرن ثم يخدمن في بيوتهم . والشاهد الآخر هو الآية ( 25 ) في سوره المؤمن ، إذ يستفاد منها - بصورة جيدة - أن خطة قتل الأبناء واستحياء النساء كانت موجودة حتى بعد ظهور موسى ( عليه السلام ) [ ومجيئه إلى الفراعنة ] . إذ تقول : فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال . وجملة يستحي نساءهم يظهر منها أنهم كانوا يصرون على إبقاء البنات والنساء ، إما لكي يخدمن في بيوت الأقباط ، أو للاستمتاع الجنسي ، أو لكلا الأمرين جميعا . وفي آخر جملة تأتي الآية بتعبير جامع ، وفيه بيان العلة أيضا فتقول : إنه كان من المفسدين . وباختصار فإن عمل فرعون يتلخص في الفساد في الأرض ، فاستعلاؤه كان فسادا ، وإيجاد الحياة الطبقية في مصر فساد آخر ، وتعذيب بني إسرائيل واستضعافهم وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم ليخدمن في بيوت الأقباط فساد ثالث ، وسوى هذه المفاسد كانت لديه مفاسد كثيرة أخرى أيضا . والتعبير ب " يذبح " المشتق من مادة " المذبح " تدل على معاملة الفراعنة لبني إسرائيل كمعاملة القصابين للأغنام والأنعام الأخرى ، إذ كانوا يذبحون هؤلاء الناس الأبرياء ويحتزون رؤوسهم ! ( 1 ) .
--> 1 - مما يلفت النظر أن مادة ( ذبح ) في الفعل الثلاثي مجردة ، وفعلها متعد بنفسه ، ولكنها هنا استعملت بصيغة التفعيل لتدل على الكثرة ، كما تستفاد من صيغة المضارع الاستمرار على هذه الجناية [ فلاحظوا بدقة ] .